الشيخ الطوسي

18

التبيان في تفسير القرآن

قد فسرنا معنى قوله ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) وأن المراد بها ما في خلق السماوات والأرض ، وما فيهما من الأدلة الدالة على توحيده وصفاته التي باين بها خلقه ، وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ وأنه منزه عن القبائح وصفات النقص ، فعبر عن ذلك بالتسبيح من حيث كان معنى التسبيح التنزيه لله عما لا يليق به . وقوله ( له الملك ) معناه انه المالك لجميع ذلك والمتصرف فيه بما شاء ، ولا أحد يمنعه منه ، وله الحمد على جميع ذلك ، لان خلق ذلك اجمع للاحسان إلى خلقه به والنفع لهم فاستحق بذلك الحمد والشكر ( وهو على كل شئ قدير ) يعني مما يصح أن يكون مقدورا له ، فلا يدخل في ذلك مقدور العباد ، لأنه يستحيل أن يكون مقدورا لله . وقوله ( هو الذي خلقكم ) معناه هو الذي اخترعكم وأنشأكم بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود ( فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) معناه فمنكم من يختار الكفر بسوء اختياره ومنكم مؤمن بحسن اختياره للايمان . وقال الحسن : فيه محذوف وتقديره فمنكم كافر ومنكم مؤمن ومنكم فاسق . وقال غيره : ليس فيه حذف ، لان الغرض ذكر الطرفين لا المنزلة بين المنزلتين كما أن قوله ( خلقكم ) خطاب يتوجه إلى جميع الخلق . وإن كان منهم الأطفال والمجانين الذين لا حكم لهم بالايمان ولا بالكفر وقال الزجاج : معناه ( فمنكم كافر ) بالله بأن الله خلقه ( ومنكم مؤمن ) بذلك . وقوله ( والله بما تعملون بصير ) معناه - ههنا - أنه خلق الكافر ، وهو عالم بما يكون منه من الكفر ، وكذلك خلق المؤمن وعلم بما يكون منه من الايمان ، وكل ذلك على وجه الاحسان في الفعل الذي يستحق به الحمد والشكر . ثم قال ( خلق السماوات والأرض ) بمعنى اخترعهما وأنشأهما ( بالحق ) أي للحق وهو انه